فخطبت خطبتها الملتهبه= على الصحاب ثمّ عادت غضبه (1)
وذكّرتهم كيف كانوا زُمرا= مضيّعين بدوها والحضرا
الجاهلية انطوت في الروحِ= والوأدُ فخرٌ للدمِ المسفوحِ
يُغيرُ بعضهم على بعض فما= يردّهُ إلا الرماحُ والدما
العدلُ فيهم مبعدٌ والحقُّ= والخير فيهم ضائعٌ والصدقُ
أذلةٌ كانوا كما الأماءِ= لا سترَ الا وحشةَ الصحراءِ
مستضعفون فيهم الشرُ نطق= اكلهم القديدُ والشربُ طَرق
حتى أتاكمُ أبيّ بالنورِ= يُزيلُ عنكم ظُلمة الديجورِ
بعد اللتيّا والتي وما جرى= أصبحتمُ خيرةَ أمّةِ الورى
فشرعت بينكم الصلاةُ= ورتلت عليكم الآياتُ
وارتفع الايمانُ فيكم رايه= وانطمست معالم الغوايه
والصومُ من علائم الاخلاصِ= وجنةٌ للفوز والخلاصِ
والحجُ تشييدٌ ليوم النصره= والامر بالحقِ وحبِ العتره
حيثُ بها يكتمل الايمانُ= وعندها ينتصر الانسانُ
فاعتذر الصحبُ لدى المعاتبه= لكنّها ظلّت عليهم غاضبه
ورجعت كسيرةً مريضه= تأسى لهذي الأمةِ البغيضه
راحت تعاني ألم الحصارِ= وفي الضلوعِ طعنهُ المسمارِ (2)
جريحة القلب ودمعُ العينِ= مختلطٌ بدمعةِ الحسينِ
يقول : يا أماه يازهراءُ= صلى عليك اللهُ والسماءُ
من يُطعمُ اليتيمَ والأسيرا= ويسترُ العُريان والفقيرا
وبعدها أوصت الى الامامِ= وصيةً من أبلغِ الكلامِ
تقول ان اتى القضا غسلني= وفي حلول الليلِ قم وادفني
لا تُعلمنَّ احداً بذاكا= ولا يرى جنازتي سواكا
(1) لما بلغ فاطمة اجماع أبي بكر على منعها فدك ، لاثت خمارها على رأسها ، واشتملت
جلبابها ، وأقبلت في لمة من حفدتها ونساء قومها تطأ ذيولها ، ما تخرم مشيتها مشية رسول
الله صلىاللهعليهوآله حتى دخلت على أبي بكر وهو في حشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم ، فنيطت
دونها ملاءة ثم أنّت أنّة أجهش لها القوم بالبكاء وارتجّ المجلس ، ثمّ أمهلت هنيئة حتى إذا
سكن نشيج القوم وهدأت فورتهم ، افتتحت كلامها بالحمد لله عزّ وجلّ والثناء عليه ،
والصلاة على رسول الله ، ثم قالت : اعلموا أي أنا فاطمة ابنة محمد ، أقول عوداً على بدء ،
لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف
رحيم ، فإن تعزوه تجدوه أبي دون آبائكم ، وأخا ابن عمّي دون رجالكم ...
ثم استرسلت في خطبتها إلى قولها :
ثم أنتم الان ، تزعمون أن لا إرث لنا ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا
لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) يا ابن أبي قحافة ! أترث أباك ولا أرث أبي ، لقد جئت شيئاً فريّا ، فدونكها
مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك فنعم الحكم الله والزعيم محمد صلىاللهعليهوآله والموعد القيامة وعند
الساعة يخسر المبطلون. ثم انكفأت إلى قبر أبيها صلىاللهعليهوآله تقول :
قد كان بعدك أنباءٌ وهنبثة
لو كنت شاهدها لم تكثر الخطبُ
إنا فقدناك فقد الأرض وابلها
وغاب مذ غبت عنّا الوحيُ والكتبُ
أبدى رجالٌ لنا نجوى صدورهمُ
لما مضيت وحالت دونك التربُ
تجهمتنا أناسٌ واستُخفّ بنا
لما فقدت وكلّ الأرث مغتصبُ
وكنت بدراً ونوراً يستضاء به
عليك تنزلُ من ذي العزة الكتبُ
وكان جبريل بالآيات يؤنسنا
فقد فقدت وكل الخير محتجبُ
فليت قلبك كان الموت صادفنا
لما مضيت وحالت دونك الكثبُ
إنا رزئنا بما لم يُرزَ ذو شجن
من البريّة لا عُجمٌ ولا عربُ
قال الراوي : ولم ير الناس أكثر باك ولا باكية منهم يومئذ ، ثم عدلت إلى مجلس الأنصار ،
فقالت : يا معشر البقيّة وأعضاء الملّة وحضنة الإسلام ! ما هذه الفترة عن نصرتي ، والونّية
عن معونتي ، والغمزة في حقّي ، والسنة عن ظلامتي ؟! أما كان رسول الله صلىاللهعليهوآله يقول : « المرءُ
يحفظ في ولده » ؟ سرعان ما أحدثتم وعجلان ما أتيتم ، الآن مات رسول الله صلىاللهعليهوآله أمتم
دينه !؟ ها !! ، إن موته لعمري خطب جليل ، استوسع وهنه ، واستبهم فتقه ، وفقد راتقه ،
وأظلمت الأرض له ، وخشعت الجبال ، وأكدت الآمال ، أُضيع بعده الحريم ، وهتكت
الحرمة ، وأُزيلت المصونة ، وتلك نازلة أعلن بها كتاب الله قبل موته ، وأنبأكم بها قبل
وفاته ، فقال : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ
أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ).
إيها بني قيلة أأهتضم تراث أبي وأنتم بمرأى ومسمع تبلغكم الدعوة ، ويشملكم الصوت ،
وفيكم العدة والعدد ، ولكم الدار والجنن ، وأنتم نخبة الله التي انتخب ، وخيرته التي اختار ،
باديتم العرب ، وبادهتم الامور ، وكافحتم البهم ، حتى دارت بكم رحى الاسلام ، ودر
حلبه وخبت نيران الحراب ، وسكنت فورة الشرك ، وهدأت دعوة الهرج واستوثق نظام
الدين ، أفتأخرتم بعد الاقدام ؟! ونكصتم بعد الشدة وجبنتم بعد الشجاعة عن قوم نكثوا
أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم ( فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ ). ألا وقد
أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض ، وركنتم إلى الدعة ، فجحدتم الذي وعيتم ودسعتم الذي
سوغتم ، وإن تكفروا أنتم ومن في الارض جميعاً فإن الله لغني حميد ، ألا وقد قلت لكم ما
قلت على معرفة منّي بالخذلة التي خامرتكم ، وخرو القناة وضعف اليقين ، فدونكموها
فاختورها مدبرة الظهر ، ناقبة الخفّ ، باقية العار ، موسومة الشعار موصولة بنار الله الموقدة
التي تطّلع على الافئدة ، فبعين الله ما تعلمون ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
ابن ابي الحديد : شرح نهج البلاغة 4 / 78.
(2) من المظالم التي تعرضت لها فاطمة الزهراء ، أنها تعرضت في بيتها لهجوم عمر بن
الخطاب ، يوم بيعة أبي بكر ، فقد جاء عمر الى بيتها يريد أن يجبر الإمام على بيعة أبي
بكر ، وهدد بإحراق بيتها ، فقالوا : ان فيه فاطمة قال : وإن. وروي أنه أراد أن يقتحم
المنزل وكانت خلف الباب فدفع الباب بقوة مما تسبب في كسر ضلعها وسقوط جنينها.
جلبابها ، وأقبلت في لمة من حفدتها ونساء قومها تطأ ذيولها ، ما تخرم مشيتها مشية رسول
الله صلىاللهعليهوآله حتى دخلت على أبي بكر وهو في حشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم ، فنيطت
دونها ملاءة ثم أنّت أنّة أجهش لها القوم بالبكاء وارتجّ المجلس ، ثمّ أمهلت هنيئة حتى إذا
سكن نشيج القوم وهدأت فورتهم ، افتتحت كلامها بالحمد لله عزّ وجلّ والثناء عليه ،
والصلاة على رسول الله ، ثم قالت : اعلموا أي أنا فاطمة ابنة محمد ، أقول عوداً على بدء ،
لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف
رحيم ، فإن تعزوه تجدوه أبي دون آبائكم ، وأخا ابن عمّي دون رجالكم ...
ثم استرسلت في خطبتها إلى قولها :
ثم أنتم الان ، تزعمون أن لا إرث لنا ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا
لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) يا ابن أبي قحافة ! أترث أباك ولا أرث أبي ، لقد جئت شيئاً فريّا ، فدونكها
مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك فنعم الحكم الله والزعيم محمد صلىاللهعليهوآله والموعد القيامة وعند
الساعة يخسر المبطلون. ثم انكفأت إلى قبر أبيها صلىاللهعليهوآله تقول :
قد كان بعدك أنباءٌ وهنبثة
لو كنت شاهدها لم تكثر الخطبُ
إنا فقدناك فقد الأرض وابلها
وغاب مذ غبت عنّا الوحيُ والكتبُ
أبدى رجالٌ لنا نجوى صدورهمُ
لما مضيت وحالت دونك التربُ
تجهمتنا أناسٌ واستُخفّ بنا
لما فقدت وكلّ الأرث مغتصبُ
وكنت بدراً ونوراً يستضاء به
عليك تنزلُ من ذي العزة الكتبُ
وكان جبريل بالآيات يؤنسنا
فقد فقدت وكل الخير محتجبُ
فليت قلبك كان الموت صادفنا
لما مضيت وحالت دونك الكثبُ
إنا رزئنا بما لم يُرزَ ذو شجن
من البريّة لا عُجمٌ ولا عربُ
قال الراوي : ولم ير الناس أكثر باك ولا باكية منهم يومئذ ، ثم عدلت إلى مجلس الأنصار ،
فقالت : يا معشر البقيّة وأعضاء الملّة وحضنة الإسلام ! ما هذه الفترة عن نصرتي ، والونّية
عن معونتي ، والغمزة في حقّي ، والسنة عن ظلامتي ؟! أما كان رسول الله صلىاللهعليهوآله يقول : « المرءُ
يحفظ في ولده » ؟ سرعان ما أحدثتم وعجلان ما أتيتم ، الآن مات رسول الله صلىاللهعليهوآله أمتم
دينه !؟ ها !! ، إن موته لعمري خطب جليل ، استوسع وهنه ، واستبهم فتقه ، وفقد راتقه ،
وأظلمت الأرض له ، وخشعت الجبال ، وأكدت الآمال ، أُضيع بعده الحريم ، وهتكت
الحرمة ، وأُزيلت المصونة ، وتلك نازلة أعلن بها كتاب الله قبل موته ، وأنبأكم بها قبل
وفاته ، فقال : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ
أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ).
إيها بني قيلة أأهتضم تراث أبي وأنتم بمرأى ومسمع تبلغكم الدعوة ، ويشملكم الصوت ،
وفيكم العدة والعدد ، ولكم الدار والجنن ، وأنتم نخبة الله التي انتخب ، وخيرته التي اختار ،
باديتم العرب ، وبادهتم الامور ، وكافحتم البهم ، حتى دارت بكم رحى الاسلام ، ودر
حلبه وخبت نيران الحراب ، وسكنت فورة الشرك ، وهدأت دعوة الهرج واستوثق نظام
الدين ، أفتأخرتم بعد الاقدام ؟! ونكصتم بعد الشدة وجبنتم بعد الشجاعة عن قوم نكثوا
أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم ( فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ ). ألا وقد
أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض ، وركنتم إلى الدعة ، فجحدتم الذي وعيتم ودسعتم الذي
سوغتم ، وإن تكفروا أنتم ومن في الارض جميعاً فإن الله لغني حميد ، ألا وقد قلت لكم ما
قلت على معرفة منّي بالخذلة التي خامرتكم ، وخرو القناة وضعف اليقين ، فدونكموها
فاختورها مدبرة الظهر ، ناقبة الخفّ ، باقية العار ، موسومة الشعار موصولة بنار الله الموقدة
التي تطّلع على الافئدة ، فبعين الله ما تعلمون ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
ابن ابي الحديد : شرح نهج البلاغة 4 / 78.
(2) من المظالم التي تعرضت لها فاطمة الزهراء ، أنها تعرضت في بيتها لهجوم عمر بن
الخطاب ، يوم بيعة أبي بكر ، فقد جاء عمر الى بيتها يريد أن يجبر الإمام على بيعة أبي
بكر ، وهدد بإحراق بيتها ، فقالوا : ان فيه فاطمة قال : وإن. وروي أنه أراد أن يقتحم
المنزل وكانت خلف الباب فدفع الباب بقوة مما تسبب في كسر ضلعها وسقوط جنينها.
عــــدد الأبـيـات
23
عدد المشاهدات
728
تاريخ الإضافة
25/09/2023
وقـــت الإضــافــة
11:39 مساءً