وأرسلَ الامامُ رغم العسرِ= لمالكِ الأشتر عهدَ « مصرِ »
وفيه دستورٌ لكلّ والِ= مزيّنٌ بالحِكمِ اللألي
يوصيه بالعدل إلى الرعيه= وأن تكون عنده سويّه
فيه يقولُ لا تكن عليهمُ= كالسبعِ الضاري يجولُ فيهمُ (1)
فالناسُ صنفانِ بقولٍ صدق= إما اخٌ في الدين او في الخلقِ
لا تستشر يا مالك البخيلا= ولا الجبانَ الخائفَ الهزيلا
والصق بذي المرؤةِ الكريمِ= والسمحِ المحسنِ والحليمِ
وهو لعمري خيرُ عهد كُتبا= ما زال للأن يُثيرُ العجبا
لكنَّ مالكاً قُبيلَ مصرِ= قضى ضحية لمكرِ عمروِ (2)
فحزن الإمامُ ثمّ حوقلا= وقال : كان مالكٌ لي جَبَلا
ولم تزل « كوفان » تغلي بالفتن= حتّى غدا ضحيةً « ابو الحسن »
(1) عهد الإمام علي عليهالسلام إلى مالك بن الحارث الاشتر النخعي يُعدّ وثيقة سياسية
ودستورية ذات أهمية خاصة ، وهو أول عهد سياسيّ في الإسلام بهذه السعة والشمولية ،
حيث يتضمن رؤية الإسلام في إدارة شؤون المسلمين وتحديد صلاحيات وواجبات الحاكم
الإسلامي ، تناول العديد من الكتاب والعلماء دراسة وتحليل هذه الوثيقة السياسية الرائعة ،
وهي بحاجة الى المزيد من الدراسة والتحقيق لما فيها من دروس وحكم عالية المضامين.
وكنموذج نذكر مما جاء فيه : « وأشعر قلبك الرحمة للرعية ، والمحبة لهم ، واللطف بهم ، ولا
تكونن عليهم سُبعاً ضاريا ، تغتنمُ أكلهم فإنهم صنفان : إمّا أخ لك في الدين ، أو نظيرٌ لك
في الخلق ، يفرط منهم الزلل ، وتعرض لهم العلل ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ ،
فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك الله من عفوه وصفحه ،
فإنك فوقهم ، وولي الأمر عليك فوقك ، والله فوق من ولاك ! وقد استكفاك أمرهم ،
وأبتلاك بهم ، ولا تنصبن نفسك لحرب الله ، فإنه لا يد لك بنقمته ، ولا غنى بك عن عفوه
ورحمته ».
وجاء فيه أيضاً : « ولا تدخلن في مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل ، ويعدك الفقر ، ولا
جباناً يضعفك عن الأمور ، ولا حريصاً يزين لك الشره بالجور ، فإن البخل والجبن
والحرص غرائز شتى يجمعها سوء الظن بالله ».
وفيه أيضاً : « ولا يكونن المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء ، فإن في ذلك تزهيداً لأهل
الأحسان في الأحسان وتدريباً لأهل الأساءة على الاساءة ! وألزم كلا منهم ما ألزم
نفسه ... ثم ألصق بذوي المروآت والاحساب وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة ،
ثم أهل النجدة والشجاعة ، والسخاء والسماحة فإنهم جماع من الكرم وشعب من العرف
ثم تفقّد من أمورهم ما يتفقد الوالدان من ولدهما ».
(2) كان مالك الأشتر عوناً للإمام علي عليهالسلام وركناً متيناً في حكومته الإسلامية وقد
اكتشف معاوية أهمية الأشتر ودوره المؤثر ، فهو من أخلص أصحاب الإمام ، ومن ذوي
الرأي السديد والحكمة العالية ، لذلك كان معاوية يجد فيه تهديداً له ، فكان يسعى الى
التخلص منه ، من أجل إضعاف قوى الإمام علي. وعندما قرر الإمام عليهالسلام أن يبعثه والياً على
مصر ، شعر معاوية بالخطر الجدّي من وراء هذه الخطوة ، فهذا يعني تحول مصر الى قلعة
قوية في دولة الإمام علي ، مما سيضعف بطبيعة الحال سلطة معاوية في الشام.
ومن هنا قرر معاوية أن يقدم على جريمة قتل مالك الأشتر ، لإنهاء دوره من الحياة
الإسلامية ، وقد دبّر مؤامرة الإغتيال مع شريكه عمرو بن العاص. حيث تم اغتياله
« رضوان الله عليه » وهو في طريقه الى مصر ، فقضى شهيداً بعد أن أدى دوره الرسالي
الكبير ، مخلفاً فراغاً واسعاً في الساحة الاسلامية. ولقد سُرّ معاوية بمقتل مالك الأشتر
وأظهر ذلك حينما خطب الناس في الشام بعد وصول خبر قتله بقوله : أما بعد ، فانه كان
لعلي بن أبي طالب يمينان قطعت احدهما في صفين « يقصد عمار بن ياسر » وقطعت
الأخرى اليوم « يقصد مالك الاشتر » أما الإمام علي المفجوع بصديقه المخلص الوفي
وصاحبه الشجاع الناصح. فقد رثاه بعدة كلمات كالجمر الملتهب ، فلما نعي إليه الأشتر تأوّه حزناً وقال : رحم الله مالكاً ، ومالك عزَّ عليَّ به هالك لو كان صخراً لكان صلدا ،
ولو كان جبلا لكان فندا ، وكأنه قدَّ مني قدا ، فلقد كان لي كما كنت لرسول الله صلىاللهعليهوآله.
رحم الله مالكاً فقد وفى بعهده ، وقضى نحبه ، ولقي ربه ، مع إنا قد وطنّا أنفسنا أن نصبر
على كل مصيبة بعد مصابنا برسول الله صلىاللهعليهوآله فانها من أعظم المصائب. على مثل مالك
فلتبكي البواكي ، وهل موجود كمالك ، وإنا لله وإنا إليه راجعون اللهم اني احتسبه عندك
فان موته من مصائب الدهر. السيد محسن الامين : أعيان الشيعة 9 / 41 ، المامقاني : تنقيح المقال.
ودستورية ذات أهمية خاصة ، وهو أول عهد سياسيّ في الإسلام بهذه السعة والشمولية ،
حيث يتضمن رؤية الإسلام في إدارة شؤون المسلمين وتحديد صلاحيات وواجبات الحاكم
الإسلامي ، تناول العديد من الكتاب والعلماء دراسة وتحليل هذه الوثيقة السياسية الرائعة ،
وهي بحاجة الى المزيد من الدراسة والتحقيق لما فيها من دروس وحكم عالية المضامين.
وكنموذج نذكر مما جاء فيه : « وأشعر قلبك الرحمة للرعية ، والمحبة لهم ، واللطف بهم ، ولا
تكونن عليهم سُبعاً ضاريا ، تغتنمُ أكلهم فإنهم صنفان : إمّا أخ لك في الدين ، أو نظيرٌ لك
في الخلق ، يفرط منهم الزلل ، وتعرض لهم العلل ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ ،
فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك الله من عفوه وصفحه ،
فإنك فوقهم ، وولي الأمر عليك فوقك ، والله فوق من ولاك ! وقد استكفاك أمرهم ،
وأبتلاك بهم ، ولا تنصبن نفسك لحرب الله ، فإنه لا يد لك بنقمته ، ولا غنى بك عن عفوه
ورحمته ».
وجاء فيه أيضاً : « ولا تدخلن في مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل ، ويعدك الفقر ، ولا
جباناً يضعفك عن الأمور ، ولا حريصاً يزين لك الشره بالجور ، فإن البخل والجبن
والحرص غرائز شتى يجمعها سوء الظن بالله ».
وفيه أيضاً : « ولا يكونن المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء ، فإن في ذلك تزهيداً لأهل
الأحسان في الأحسان وتدريباً لأهل الأساءة على الاساءة ! وألزم كلا منهم ما ألزم
نفسه ... ثم ألصق بذوي المروآت والاحساب وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة ،
ثم أهل النجدة والشجاعة ، والسخاء والسماحة فإنهم جماع من الكرم وشعب من العرف
ثم تفقّد من أمورهم ما يتفقد الوالدان من ولدهما ».
(2) كان مالك الأشتر عوناً للإمام علي عليهالسلام وركناً متيناً في حكومته الإسلامية وقد
اكتشف معاوية أهمية الأشتر ودوره المؤثر ، فهو من أخلص أصحاب الإمام ، ومن ذوي
الرأي السديد والحكمة العالية ، لذلك كان معاوية يجد فيه تهديداً له ، فكان يسعى الى
التخلص منه ، من أجل إضعاف قوى الإمام علي. وعندما قرر الإمام عليهالسلام أن يبعثه والياً على
مصر ، شعر معاوية بالخطر الجدّي من وراء هذه الخطوة ، فهذا يعني تحول مصر الى قلعة
قوية في دولة الإمام علي ، مما سيضعف بطبيعة الحال سلطة معاوية في الشام.
ومن هنا قرر معاوية أن يقدم على جريمة قتل مالك الأشتر ، لإنهاء دوره من الحياة
الإسلامية ، وقد دبّر مؤامرة الإغتيال مع شريكه عمرو بن العاص. حيث تم اغتياله
« رضوان الله عليه » وهو في طريقه الى مصر ، فقضى شهيداً بعد أن أدى دوره الرسالي
الكبير ، مخلفاً فراغاً واسعاً في الساحة الاسلامية. ولقد سُرّ معاوية بمقتل مالك الأشتر
وأظهر ذلك حينما خطب الناس في الشام بعد وصول خبر قتله بقوله : أما بعد ، فانه كان
لعلي بن أبي طالب يمينان قطعت احدهما في صفين « يقصد عمار بن ياسر » وقطعت
الأخرى اليوم « يقصد مالك الاشتر » أما الإمام علي المفجوع بصديقه المخلص الوفي
وصاحبه الشجاع الناصح. فقد رثاه بعدة كلمات كالجمر الملتهب ، فلما نعي إليه الأشتر تأوّه حزناً وقال : رحم الله مالكاً ، ومالك عزَّ عليَّ به هالك لو كان صخراً لكان صلدا ،
ولو كان جبلا لكان فندا ، وكأنه قدَّ مني قدا ، فلقد كان لي كما كنت لرسول الله صلىاللهعليهوآله.
رحم الله مالكاً فقد وفى بعهده ، وقضى نحبه ، ولقي ربه ، مع إنا قد وطنّا أنفسنا أن نصبر
على كل مصيبة بعد مصابنا برسول الله صلىاللهعليهوآله فانها من أعظم المصائب. على مثل مالك
فلتبكي البواكي ، وهل موجود كمالك ، وإنا لله وإنا إليه راجعون اللهم اني احتسبه عندك
فان موته من مصائب الدهر. السيد محسن الامين : أعيان الشيعة 9 / 41 ، المامقاني : تنقيح المقال.
عــــدد الأبـيـات
11
عدد المشاهدات
1190
تاريخ الإضافة
25/09/2023
وقـــت الإضــافــة
11:28 مساءً