الشاعر / حيدر سلمان العرادي | البحرين | 2009 | البحر الكامل
خُلِقَتْ لرزئِكَ أعينٌ ومحاجرُ=الذرُّ مَنْشَؤُها وربُّكَ ناشرُ
تبكيكَ طولِ الدهرِ دونَ تلكُّؤٍ=ومصابُها لا تحتويهِ أواخرُ
ونتيجةُ الحزنِ العظيمِ لموقعِ=الحدثِ العظيمِ فكربلاءُ وعاشرُ
صورٌ تلاحقُها العيونُ كأنَّما=وُجِدَتْ كمالاً للنضالِ تناظرُ
فأراكَ شوقاً بينَ منعطفِ الرّدى=للقاءِ ربِ العرشِ جفنُكَ ساهرُ
تأتمُّ حولَكَ نِسوةٌ مضريّةٌ=ودموعُهُنَّ على الخدودِ مواطرُ
يسقينَ وردَ الخدِّ دمعَ حرارةٍ=فكأنَّهُنَّ مدامعٌ ومجامرُ
يدعينَ يا ليلِ الوداعِ أطلْ بنا=جمعَ الأمانِ فللرحيلِ مخاطرُ
وإذا انقضى الليلُ البهيمُ تثاقَلَتْ=شمسُ الصباحِ فما ضحاها ساترُ
طلعَتْ على عينيكَ وهيَ خجولةٌ=فلردِّها تدري بأنكَ قادرُ
ما ردَّها إلا أبوكَ المرتضى=وفضائلُ الكرّارِ فيكَ حواضرُ
فتحزَّمَتْ للموتِ فتيةُ غالبٍ=فكأنَّهُمْ في الحربِ سيلٌ هادرُ
يتسابقونَ على الحرابِ كأنَّهُمْ=أُسْدٌ وهاتيكَ الجيوشُ جآذرُ
وتصاغروا للهِ في بذلِ النفوسِ=رخيصةً وعلى العُتاةِ تكابروا
حتّى إذا ركدَ الغبارُ تراءَتِ الأجسادُ=وهيَ على الرمالِ نواثرُ
نصروكَ حيثُ الناكثونَ بحقدِهِمْ=جمعُوا عليكَ رعاعَهُمْ وتآمروا
وبقيتَ وحدَكَ يا حسينُ كأنَّكَ=الجبلُ الذي ما زحزحَتْهُ أعاصرُ
متنقِّلاً بينَ الخيامِ معاتباً=للصحبِ: يا أنصارُ أينَ الناصرُ؟
ما حالُ زينبَ وهيَ تصرُخُ: (يا أخي=هذا الوداعُ فهل لقاءٌ آخرُ؟
هذا وداعُ الفاقداتِ فهلْ بقَتْ=بيني وبينَكَ يا حسينُ أواصرُ؟
لكَ قبلةٌ في الصدرِ، في النحرِ الشَّر=يفِ وصيةُ الزهراءِ حينَ تغادرُ)
فمضيتَ والحوراءُ في خُطُوَاتِها=تقفو خطاكَ، وقلبُها لكَ طائرُ
متوزِّعَ الأنوارِ كادَ شعاعُها=يعمي العيونَ كما عمينَ بصائرُ
تمشي وحيداً كالجيوشِ وإنَّهُمْ=برؤاكَ جنديٌّ ولا هوَ ضائرُ
ونزلتَ بالميدانِ منصهرَ الهوى=للهِ والظمأُ المرابطُ صاهرُ
فجعلتَ أرضَ الطفِّ بحراً أحمراً=وطليعةُ الفرسانِ فيهِ غوائرُ
وسماؤُها سدَّ النسورُ فضاءَها=مثلَ النسيجِ فما بهِنَّ ثواغرُ
أمّا الذي بينَيْهِما ضربُ القنا=بعجاجةٍ ورؤوسُهُمْ تتطايرُ
ما كانَ إلا وجهُكَ الوضَّاحُ في=لجَجِ الظلامِ وما سواهُ طامرُ
حتّى وردْتَ الماءَ منهوكَ القوى=لهبُ الظّمى وسطَ الجوانبِ ساعرُ
فنظرتَ في عينِ الجوادِ مخاطباً:=(هلْ ترتوي أمْ أرتوي وأبادرُ؟
إروِ حشاكَ فما أنا راوٍ حشايَ=وفي الخيامِ نوادبٌ وذواعرُ)
سبحانَ مَنْ أعطاكَ إنسانيّةً=عظمى لها سجدَ الوجودُ الباهرُ
لكنَّهُمْ ما قدَّرُوكَ وسيّروا=أجلافَهُمْ مثلَ الذبابِ تظافروا
صالوا عليكَ تسوقُهُمْ أحقادُهُمْ=من يومِ بدرٍ كالقطيعِ تواتروا
فسعَتْ إليكَ رماحُهُمْ سعيَ الفقيرِ=إلى الغنيْ لكنْ عطاؤكَ أكبرُ
هذا جبينكُ للحجارةِ مرتعٌ=يا خيرَ مَنْ وُضِعَتْ عليهِ مغافرُ
حتّى اشتهتكَ سيوفُهُمْ وتسابقَتْ=لمذاقِكَ النبويِّ وهيَ تثابرُ
فتزاحمَتْ وسطَ الجروحِ نصولُهُمْ=كلٌّ بقتلِكَ في الملا يتفاخرُ
ونساءُ آلِ محمّدٍ مذهولةٌ=يركضْنَ للجلَّى وهنَّ عواثرُ
أما الذي قصمَ الظهورَ فرأسُكَ ال=مرفوعُ فوقَ الرمحِ نورٌ باهرُ
يتلو الكتابَ موضحاً أنَّ الشريعةَ=سوفَ يبقيها الآلهُ القادرُ
وحديثُ صدرِكَ والخيولُ فجيعةٌ=ما زالَ يرويها البُكا ويسامرُ
واللهِ ما طحنوا ضلوعَكَ إنّما=طَحَنَتْ ضلوعَ الأنبياءِ حوافرُ
لكَ مصرعٌ أدمى السماءَ فكيفَ لا=يُدمي القلوبَ وأنتَ فيها حاضرُ؟
حسِبوا بقتلِكَ قاهرينَ وإنَّما=قالَ العُلا والمجدُ: إنّكَ قاهرُ
حملَتْ رياحُ الكونِ ذكرَكَ وارتمَتْ=نصباً على ظهرِ الأديمِ منابرُ
يا سيدي محَّصْتَ في غسقِ الدُّجى=ما شدَّني إلا الأبيُّ الطاهرُ
فتبعْتُ نهجَكَ عارفاً أنَّ الذي=والاكَ في اليومِ المهولِ لَعَابرُ
وصنعتُ من فضلِ الآلهِ قصائداً=هيَ كالحصى لكنْ عليكَ جواهرُ
إنَّ اعتقادي في هواكَ بأنَّهُ=للمتَّقِينَ من الآلهِ شعائرُ
عــــدد الأبـيـات
51
عدد المشاهدات
733
تاريخ الإضافة
16/09/2023
وقـــت الإضــافــة
3:13 مساءً