الشاعر / مجتبى عبدالمحسن التتان | البحرين | 2008 | البحر الكامل
سبِّحْ دمَ الجسدِ الجريحِ معظِّما = وامرُرْ على فلكِ الضياءِ مسلِّما
رتِّلْ دموعَكَ بعضَ آيٍ محكمٍ = ليرتّلَ الحزنُ الفؤادَ المحكَما
واغرِفْ شروطَ الحبِّ تقطرُ عزةً = وتمدُّ بالودقِ الشفيفِ عوالما
طُفْ بالمقامِ العسجديِّ فها هنا = من جانبِ الطورِ العليّ تكلَّما
أودِعْ فؤادَكَ دفقةً علويّةً = واشربْ بكاساتِ الصبابةِ زمزما
كم من قميصٍ للمحبِّ يقدُّهُ = شوقٌ يكادُ يذيبُ قلباً أحرما
مِنْ كفِّكَ اندلقَ المحيطُ قصيدةً = والدرُّ يندَى في هواكَ منظَّما
آنستَ ناراً يا حسينُ فآتِنا = وهجاً يؤثِّثُ كوكباً وعواصما
حمَّ الجفافُ بنا فغازلَ قَطْرَكُمْ = ربعٌ يناغي الماءَ يُزْهِرُ مثلما
تعشَوْشِبُ اللحظاتُ تفغرُ رجْعَهَا = لتقولَ: بعدَ الطفِّ غادَرَني الظما
أوَ تظمأُ المهجُ التي أترَعْتَها = خمراً إذا جازَ العروقَ ترنما
نخبُ الدماءِ على صراطِكَ شاخبٌ = سبحانَ مَنْ أسرى بجرحِكَ للسما
يصطاخُ غيمُ الأفقِ للدمِّ الذي = ينبثُّ في جسدِ البياضِ مغمغِما
أحسينُ عدتَ رفيفَ مبسمِ فارسٍ = إنْ هبَّتِ الحربُ المَواتُ تبسما
بضراوةِ العشقِ القلوبُ تبادلَتْ = فعمادُ سلَّمَكَ الجوى وتسلَّما
من طعنةِ التاريخِ ينفجرُ المدى = ويضيءُ قنديلُ انتصارٍ كلّما
ورثَتْ شعوبُ اللهِ عنكَ قضيةً = لتخضِّبَ اليَسْمِينَ من شفقِ الدّما
فَيُدَكُّ خيبرُ طوعَ راحةِ كربلا = ويعودُ عرشُ الظالمينَ مهدَّما
لو ماجَ جرحُكَ هادراً بيلملمٍ = لأساخَ من عظمِ الهديرِ يَلَمْلَما
يا ما أجلَّكَ في العريكةِ فارساً = طوفانُهُ قلَبَ اليمينَ ودمدَما
قرَّتْ عيونٌ عانقَتْكَ فأبدعَتْ = تجلوكَ ليثاً في النزالِ تقحّما
أنعِمْ بمشكاةِ الأماجدِ قادماً = ليصوغَ من جسدِ الضرامِ ملاحما
رغمَ الحصارِ يزِفُّ قندَ بشائرٍ = ويدقُّ رايةَ نصرِنا متقدِّما
أعتاضُ عن ولهي بآخرَ باذخٍ = تتنهَّدُ الأنسامُ فيهِ مواسما
كم مُدْيةٍ للشوقِ تُوسِعُ راحتي = عندي رغيدُ العيشِ صارِ محرّما
أضعُ الجراحَ على الجراحِ ضمادةً = أرثي صباحاً في عيوني أظلما
أرغمْتُ أنفَ الحادثاتِ مبارزاً = حتى أطعتُ الموتَ بعدَكَ مُرْغَما
ورجعتُ أرقبُ كربلاءَ مؤجَّجاً = كالمهرِ يرجعُ للخيامِ مُحَمْحِما
لأغوصَ في الفلواتِ ملءَ مدامعي = أستفُّ من رئةِ المواجعِ مطعَما
أسرجتُ مُهرَ القافياتِ ضراعةً = وغَلَتْ صدورُ سحائبي غيثاً همَى
فإذا تناقصَ في حِرائي وحيُها = كان الحسينُ إلى القريضِ متمِّما
تنثالُ حباتُ الرمالِ مَرُوعةً = وتقودُها ريحُ التوجُّعِ حيثما
تنقادُ خطْوَاتُ البكاءِ لطفلةٍ = محمومةٍ تصبو لحضنِكَ بلسما
ستظلُّ كلُّ صبيحةٍ محزونةً = ما لم يراوحْهَا نسيمُكَ ملهما
ألهمْتَها قطفَ المشاعرِ بهجةً = لكنَّها الأيامُ فاضَتْ علقما
ب (سُكَينَ) شطَّتْ في غيابةِ صمتِها = والدهرُ حاكَ لها الرزايا أسهُما
لمّا دُعِيتَ إلى المنيّةِ أفرعَتْ = آياتُها الكبرى لظًى وتألُّما
فتوضَّأَتْ بالدمعِ تفتلُ غزلَها = موتاً تفرَّسَ في القِوَى وتوسَّما
ما بالُهُ قوسُ الخريفِ أسالَها = مكسورةَ العينينِ من بعدِ الحِمى
لكأنَّ شمسَ الظهرِ تنضحُ دمعَها = والأفقُ ينفخُ منهُ طيناً قاتما
حتى إذا استوتِ الجراحُ وحلَّقَتْ = ربَضَ العزاءُ على البسيطةِ قاتما
وتجمَّعَ الكونُ استفزَّ قيامةً = وأحالَ خاصرةَ الأماكنِ مأتما
لِمَنِ المصيبةُ والحسينُ ولادةٌ = صنعَتْ إلى مجدِ الحضارةِ سُلَّما
هذا الحسينُ أنيسُ وحشةِ عالمٍ = إنْ هاجَ في الصدرِ العذابُ وخيَّما
بينا تراهُ معانقاً بجناحِهِ = وطنَ الإباءِ تراهُ أصبحَ مغنما
هذا أبيُّ الضيمِ شاطرَنا الهوى = والحبُّ في الكاساتِ صارَ مقسَّما
لكنَّ مقدارَ التماهي واحدٌ = باتَ التوحُّدِ في الحسينِ محتَّما
نلقاهُ وجهاً ضاحكاً مستبشراً = إنْ ماجتِ الأهوالُ كانَ معلِّما
فمتى تهدَّجَ صوتُ قلبٍ متعبٍ = ألفاهُ مِنْ كلِّ انكسارٍ عاصما
ما كانَ عذرُكَ إذْ تركتَ أحبةً = مِنْ نزفِهِمْ شجرُ الخلودِ تبرعما؟
أرَضيتَ يا زمنَ العناءِ بهكذا = فقدٍ يفتُّ الروحَ يُنطقُ أبكما؟
قمْ وَارْمِ عنكَ قذى الخطيئةِ واعتذرْ = يكفي انتفاخاً حاقداً متورما
ما العمرُ غيرُ شجاعةٍ منذورةٍ = للعشقِ رصَّعَتِ الشعورَ المُفْعَما
شبَّ الضرامَ بِنَا ولمَّا نَرْتَوِ = هيِّئْ لنَا مِنْ فيضِ بردِكَ أنعماً
أسدِلْ جناحَكَ يا حسينُ مطمئِناً = فالخوفُ يحتزُّ الفؤادَ الهائما
اليومَ يا بأبي وأمي رشَّنِي = شوقي فجئتُكَ قاصداً ومُيَمِّما
صدري كمتَّكَأٍ تُدَسُّ بهِ القَنَا = والقلبُ مِنْ فَرْطِ الحنينِ تثلَّما
أنا حابسَ الأنفاسِ زُرْتُكَ عارفاً = وحملْتُ بعثَرَتي فكنتُ مُلَمْلَما
ها أحتسي خجلي ويحدو مَدْمَعي = شيبٌ برأسي قد علا وتسنَّما
ألْقِ السلامَ على تفجُّعِ زينبٍ = عايِنْهُ لوناً بالمدامعِ ساهما
واحرِفْ مدارَ الدمعِ ملتهباً بها = لامِسْهُ وَرداً في جمالِكَ تُيِّمَا
وازرعْ قَرَنْفَلَكَ النديَّ بخدِّها = من حيثُ ينمو الزهرُ حبّاً قد نما
فالخطبُ روَّعَها وشرَّدَ صُبْحَها = والنارُ في خدرِ الرسالةِ أُضْرِما
يجفو الكرى أجفانَها متغاضياً = لكنَّ خاطرَها يرِقُّ مهوِّمَا
وافيتَها بالدفءِ وَهْجَ مشاعرٍ = قمريّةٍ ويمامُ نورِكَ حَوَّما
ماذا أقولُ وأنتَ تكتُبُني هنا = متأنِّقاً فأبوحُ عنكَ ببعضِ ما
تتزيَّنُ الأبياتُ منكَ بحلَّةٍ = والشعرُ باسمِكَ يا حسينَ تخَتَّما
فغدا التماعاً فاقعاً متلاطماً = وشحذتَ شفرتَهُ فصارَ مُنَمْنَما
ثملَتْ حروفي فانتضَيْتُ لظهرِها = خشباً لتُصْلَبَ في هواكَ مُقَدَّما
ولئنْ أذقتُ الموتَ ألفَ تجرُّعٍ = أبقى لنهجِكَ يا حسينُ مُلازما
عــــدد الأبـيـات
70
عدد المشاهدات
1041
تاريخ الإضافة
16/09/2023
وقـــت الإضــافــة
8:12 صباحًا