إخواني الغرَّ لا أشكو الأسى لكمُ = فكلنا صال في أعماقِه الألمُ
وكلنا نرتجي المولى وطلعتَه = متى يهلُّ فتحيى باسمِه الأُممُ
لكنني وخيوط الفجرِ تجذبُني = أرى بزوغَ فتىً في كفِّه علمُ
(اللهُ أكبرُ إنَّ النصرَ مطلبُنا( = قد خُطَّ فيه وفيه )لا يضيع دمُ)
ساءَ لت قلبيَ ما هذا فأنشدَني = من فيضِه ما جنى إيقاعَه القلمُ
فإن تروْا ما به من لوعةٍ وأسىً = فما احتواهُ الحشا لا يحتويه فمُ
حييت يا منقذ الإسلام برهانا = حييتَ يا حاملاً سيفاً وقرآنا
حييت تستمطر الآفاق ما حملت = طياتُها من لهيبِ الجورِ نيرانا
تجمِّع الآهَ في حد الظبا لهباً = تصبُّه فوق هامِ البغيِ بركانا
ناراً تدك صروح البغي صالية = تذيبُ ما رصَّعوا عرشاً وتيجانا
لتحرقَ الظلم في أوكار سطوته = ويصطلي بضرامِ الحقِّ خسرانا
يخرُّ يذوي إلى رمس البِلى مِزَقاً = لِهُوَّةٍ ملئت ظلما وعدانا
لحيث لا ندم يجدي ولا سَعَةٌ = تُرجى وقيل له دِينَ الذي دانا
يُهالُ من فوقه كالجمر مضطرماً = شواظُ محنتِنا أيامَ بلوانا
ونقبرُ الآهَ تلوَ الآهِ في جدثٍ = فكم حسوناهُ ويلاتٍ وأحزانا
وكم جرعْنا بكأس الغمِّ غصَّتَه = وكم سلوْنا وذاتُ الصبرِ سلوانا
وكم سكبْنا على شاطي النوى حِمَماً = من الدموع تسلِّي النفسَ أحيانا
يغتالُنا اليأسُ يأسُ الانتظار ولا = يغتال منا أحاسيساً وأشجانا
نَرنو إلى مركب التأليف يجمعُنا = من الشتاتِ فكم شطَّتْ سرايانا
يُقِلُّنا الضفةَ الأخرى وإن بَعُدت = فالسير عذب لِشأْوٍ فيه إِحيانا
يُقِلُّنا لمروج الحبِّ مزهرةً = نستاف من عبْقِها روحاً وريحانا
لمرفأٍ في حنايا الحبِّ مَرْتَعُهُ = وفي حنان الإخا يختالُ نشوانا
إلى الأمان وهل غير الأمان هوىً = نصبو إليه وتعلو فيه أصدانا
إلى الورودِ التي لم تبدُ حمرتُها = إلا بريِّ دمٍ صبَّتْه قتلانا
إلى اليفاعِ الذي لم تَخْبُ نضرتُه = إلا سقيناه أطفالاً وشبانا
إلى الجمالِ الذي لم تَحْلُ صورتُه = وقد عشقناه خلاباً وفتانا
إلا كما شاءت الأقدارُ وانخسفتْ = منا بدورٌ تردُّ البدرَ خجلانا
فكلما أَوْمَضَتْ خلف الغمام يدٌ = نظن أن بها بِيضاً ومُرَّانا
تعَكَّرَ الصفْوُ واسْتَشْرى الظلامُ به = وصال كالشبحِ المسعورِ هيمانا
وثار بحرُ الأسى تعلوه عاصفةٌ = وجاءنا موجُه العاتي وغطانا
فنحن في بحر آمالٍ تَقاذَفَنا = مداً وجزراً فأدنانا وأقصانا
بحرٍ خِضَمٍّ عميقٍ داكنٍ عكرٍ = وسطحُه مفعمٌ سحبا ودخانا
فكيف نبصرُ خلفَ الحُجْبِ غايتَنا = وصارمُ اليأسِ أضنانا وأعيانا
والعينُ في دمعِها القاني بحرقَتِه = كأنما اصطنعتْ بالدمع أجفانا
أم كيف نبحرُ حتى لو مجازفةً = والنفسُ تحدوا بنا شوقاً لمرمانا
والمركبُ الغرُّ محجوبٌ وصاحبُه = والركبُ يحتاجُ للإبحارِ ربانا
ها نحن رغمَ صروفِ الدهرِ في ثقةٍ = ورغم ما حملت منها رزايانا
ورغمَ طولِ مغيبٍ قد أَضرَّ بنا = وزاد في الزمن المشئومِ أزمانا
واللهِ ما خالجتْ أذهانَنا رِيَبٌ = ولا بهمسة شكٍّ في خفايانا
لكننا كلما نرنو لواقِعِنا ال = مرِّ المعذبِ ألواناً وألوانا
ضاقت به الرُّحْبُ و الأفياءُ فارهةٌ = تقل هارونَ في وكر ومروانا
وثرثرتْ باسمِه الأنهارُ مُتْرعةً = وبات من حولها عطشان ظمآنا
نَبُثُّها صرخةَ الغرقى لمنقذِهِم = مما عراهم أسى سيلاً وطوفانا
ونحن واللهِ ندري ما تفيضُ به = جراحُ قلبِك آلاما وتحنانا
فَمُذْ تكالبَتْ الأرزاءُ مطبقةً = أيقنتُ أنَّ بزوغَ الفجرِ قد حانا
أيقنتُ أنَّ ربيعَ الكونِ سوف يرى = بأن موعدَه المحتومُ قد حانا
قد آنَ أنْ تزهرَ الآفاقُ مُبْهَجَةً = ويبسمَ الدهرُ مسروراً وجذلانا
ويحكمَ الخصبُ أصقاعَ الدنى فرحاً = ويزدهي المحل مكسواً وريانا
وينتشي العدلُ في أسمى مراتِبِه = يطبقُ الكونَ إخلاصاً وإحسانا
وتسكنَ الصرصرُ الهوجاءُ تائبةً = تلقى الشكائمَ في كفَّيْكَ سلطانا
ونكحلَ العيَن من وجهٍ يفيضُ سناً = ورأفةً وابتساماتٍ وإيمانا
ونشرحَ الصدرَ إيناساً بمجلسِه = ويخفقَ القلبُ مياساً وفرحانا
يا سيدي يا وليَّ العصرِ يا أملاً = غنَّى به القلبُ أنغاماً وألحانا
عجلْ فما أولهَ العشاقَ في غَدِنا = للسيِر خلفَك أنصاراً وأعوانا
عجلْ وعينُك خلف الغيب ترعانا = وأجمعْ بنورِ الهدى والحبِّ أهوانا
فالحقدُ كشَّرَ أنيابا لفرقتِنا = كأنَّ في كلِّ نابٍ منه ثعبانا
وأننا اليومَ أشلاءٌ موزعةٌ = كأنَّنا لم نكنْ في الله إخوانا
فاشهر حسامك فالبشرى بومضته = تنيرُ ليلَ الورى صبحا وتبيانا
فكم تلوح سيوف الحاقدين بنا = تحتلُّ أنحرَنا غمداً وميدانا
تتيه ملؤ مداها ضحكة وأسى = كأنَّها وهي تفْرينا تحدانا
ونحن نشحذها جهلاً ونطعمها = دمَ الموالين للكرار قربانا
نغوصُ في لُجَّةِ الآثامِ لا قبسٌ = يضيءُ وسطَ عُبابِ الذنبِ مسرانا
الناسُ بالعلمِ تسعى نحو عزتها = وإن بنوا في متين الصرح عصيانا
ونحن لم نرَ غيرَ الطعن في العُلما = وغيرَ سبِّهم درساً وعنوانا
عــــدد الأبـيـات
64
عدد المشاهدات
2650
تاريخ الإضافة
17/03/2010
وقـــت الإضــافــة
4:10 صباحاً