يا ليتني أحظى بغَبرةِ سيْرِهم
في الشامِ بينَ مخالبِ الأعداءِ=هذا بلاءٌ لا كأيِّ بلاءِ
من كلِّ ناحيةٍ فثَمَّ إهانةٌ=وأذًى يزيدُ الجمرَ في الأحشاءِ
أمسَوْا لرشقٍ بالحجارةِ واللظى=غرضًا وللأحزانِ واللأواءِ
آلُ النبيِّ، يكادُ صدْري من لظًى=فيهِ يذوبُ كشمعةٍ هيفاءِ
والخطْبُ يَصعقُ ليسَ يحملُه النُّهى=ويُديمُ في الأحداقِ بحرَ بكاءِ
فكواكبٌ مأسورةٌ رهْنَ الدجى=مع أنها أصلٌ لكلِّ ضياءِ
فرِحَتْ دمشقُ وزيّنوها فرحةً=بإسارِ نسلِ المصطفى النُّجباءِ
فغَدتْ كأقبحِ ما تكونُ مدينةٌ=وترقّطتْ كالحيّةِ الرقْطاءِ
رامتْ لتغدوَ غادةً ممشوقةً=فإذا بها كالشَّلْمقِ الشمطاءِ
فبَنو أميّةَ أترعوها حقدَهم=غرسوا الضغينةَ تحتَ كلِّ رِداءِ
ولقد أراقوا مِن مدادٍ قدْرَ ما=خاضوا، ليبقى زيفهم، بدماءِ
وسَعَوْا لإطفاءِ النجومِ وإنّها=لعصيّةٌ أبدًا على الإطفاءِ
رامَوْا لنزعِ الدينِ لا يبقى له=إلا هُلامٌ مُختفٍ بلِحاءِ
لكنَّ آلَ المصطفى بذلوا الدِّما=ليظلَّ دينُ المصطفى بعَلاءِ
قد قُطِّعوا إرْبًا وطِيفَ بِهامِهم=فوق القَنا في واسعِ الأرجاءِ
وحريمُهم ذاقوا الأمرَّ وإذْ بهم=كحريمِ كُفرٍ في إسارِ سِباءِ !
ورضَوْا بذلك إذْ به حِفْظُ الهدى=وعناقُ أرضٍ تُبتلى وسماءِ
ورَأَوْه أجملَ ما يكونُ من العَطا=ونراهُ أعظمَ مُفتدًى وفداءِ
يا آلَ طهَ لا نظيرَ لبذْلِكم=في الخَلقِ حتى آخرِ الأحياءِ
ما زالَ دمعٌ من رقيّةَ جاريًا=يروي العيونَ بديمةٍ شمّاءِ
ما زالَ صوتُ أنينِها ملءَ المَدى=وصَدى أساها أعظمَ الأصداءِ
أمّا العقيلةُ فالثباتُ حروفُها=دكَّتْ بمَنْطِقِها دُجى الطُّلقاءِ
طوْدٌ تمرُّ السُّحْبُ عندَ سفوحِهِ=ويضيقُ عن يدِها اتساعُ فضاءِ
نورٌ به شُغِفتْ نواحي جُلَّقٍ=طَمحتْ إليهِ مناكبُ الجوزاءِ
يمشي فيُغضي الكونُ لا يَعصي له=أمرًا، فكيفَ يكونُ في الأُسَراءِ؟!
هذا إمامُ الكونِ، طوْعُ بنانِهِ=كلُّ الذي في قبضةِ الأعداءِ
لكنْ إرادتُه تُوافِقُ حكمةً=للهِ في التقديرِ والإمضاءِ
ورِضاهُ في كلِّ الأمورِ موافقٌ=لرضا الذي هو أحكمُ الحكماءِ
يا شامُ كم لكِ من يدٍ سفّاحةٍ=وفمٍ أفاضَ منابعَ البغضاءِ
أسكنْتِ آلَ المصطفى في خربةٍ=وبني الطليقِ بشامخِ النعماءِ
تبًّا لعصرٍ فيه يرتفعُ الخَنا=ويُرى خفيضًا شاهقُ العُظماءِ
يا شامُ، أين يزيدُ؟ أين قصورُه؟=وضلوعُه الثَّملاتُ بالصهباءِ؟
أين الطغاةُ جميعُهم وذيولُهم=والغارقون بطاعةٍ عمياءِ؟
صاروا فرائسَ للردى، وقبورُهم=صارتْ بناتِ جهنّمَ الحمراءِ
أمّا الحسينُ فكعبةٌ مِضواعةٌ=بشَذا الإباءِ وخالدِ الأضواءِ
بابُ الحوائجِ جارُه وجِرارُه=قد أُترِعتْ وجرتْ بفيضِ عطاءِ
بأبي هُما من مَشهدينِ تعانَقا=فهُما سماءٌ أُلحِقتْ بسَماءِ
بحْرٌ من الزُوّار فيضُ مياهِه=دُرَرُ زهَتْ قد رُصِّعتْ بولاءِ
يسعَوْن مشيًا، والدموعُ سواكبٌ=والقلبُ منغمسٌ ببحرِ رجاءِ
يهفون شوقًا للمُخضَّبِ شيبُه=ليُخَضِّبوا وجهَ المَدى بوفاءِ
وإليه تسبقُهمْ قلوبُهمُ التي=بهواهُ فيها الخفْقُ لا بدماءِ
حَثُّوا الخُطا نحو الحسينِ وإنها=لخُطًا إلى الفردوسِ والنعماءِ
يا ليتني أحظى بغَبرةِ سيْرِهم=ليكونَ في صدري زفيرَ هواءِ
ويكونَ في عيني لصيقَ جفونِها=ويظلَّ صاحبَ لحظتي كرِدائي
يا ليتني عند الحسينِ أَؤُمُّهُ=في كلِّ صبحٍ مشرقٍ ومساءِ
لهفي على عُمُرٍ يمرُّ ولا أرى=جسدي لصيقَ القبّةِ الشمّاءِ
لهفي على العينينِ إنْ لم تُكحَلا=بالمشهدِ الدفّاقِ بالعلياءِ
بثرًى يطيبُ المِسكُ منه، كذا الضحى=يأتيه كي يحظى بفضْلِ ضياءِ
بركاتُه ملءُ السماواتِ العُلى=تعلو على التعدادِ والإحصاءِ
آسٍ يداوي كلَّ جرحٍ، كفُّه=للمُدنَفين جرتْ بنهرِ شفاءِ
يا ربِّ فارزقْني الزيارةَ قبلما=جسدي يُحاطُ بظلمةٍ ظلماءِ
وكذا الشفاعةَ في المَعادِ فإنه=لا أمْنَ دونَ شفاعةِ الشفعاءِ
واقبلْ قصيدَتِيَ الهزيلةَ إنها=تحبو لتلكَ الواحةِ الخضراءِ
ليستْ تساوي ذرةً من غَبرةٍ=وقعتْ لدى مشْيٍ على المَشّاءِ
أو قطرةً سالتْ لجُرحٍ مخلصٍ=من جبهةٍ بيضاءَ أو سمراءِ
أو صرخةً أو لطمةً أو دمعةً=أو آهةً في لوعةٍ حرّاءِ
أنا طامعٌ يا سيدي بقَبولِكم=هذا القليلَ من اليدِ العجفاءِ
أنا طامعٌ بشفاعةٍ أنجو بها=في يومِ حشرٍ حاشدٍ وجزاءِ
نسألكم الدعاء
عــــدد الأبـيـات
58
عدد المشاهدات
5174
تاريخ الإضافة
29/09/2021
وقـــت الإضــافــة
11:25 مساءً