ذات يوم جاء أحد أصحاب الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ، وطلب منه وصف المتقين ، فكان له ذلك ، وما انتهى الإمام من وصفه حتى كان همام جثة هامدة بلا حراك ، فأبَّنه أمير المؤمنين عليه السلام بقوله : هكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها ، حول هذه الخطبة - والتي هي مثبتة في نهج البلاغة - كانت هذه القصيدة :
عِبَادَ الله .. إِتَّقُوا الله
فَالتَّقْوى خَيْرُ زَادْ ..
إِلَى يَوْمِ الْمَعَادْ ..
كُنْ أَخِي تَقِيًّا وَأطْلُبِ الْفَضَاِئلْ=فِي الْوَرَى كَمَا أَتَى هَمَّامُ
وَإِلَى عَلِيٍّ سَائِلاً إِمَامِي=أَيْنَهَا التَّقْوى كَذَا الْإِسْلاَمُ
قَالَ إِتَقِ الله أَحْسِنَنْ كَمَا قَدْ=فَعَلَ الْأُلَى الَّذِي قَدْ رَامُوا
مَا رَضِي بِهَذَا عَزِمَ عَلَيْهِ=فَابْتَدَا بِقَوْلِهِ الْمِقدَامُ
الْخَالِقُ الَّذِي بَرَى خَلْقاً غَنِيًّا عَنْهُمُ=وَالْمُتَّقُونَ فِيهِمُ أَهْلُ الْفَضَائِلِ الْكِرَامْ
وَصَائِبٌ مَنْطِقُهُمْ مُقْتَصِدٌ مَلْبَسُهُمْ=تَوَاضُعٌ مَشْيُهُمُ غَضُّوا عَنِ النَّظْرَة الْحَرَامْ
وَسَمْعُهُمْ يَنْفَعُهُمْ وَنَفْسُهُمْ وَقْتَ الْبَلاَءْ=صَارَتْ كَمَا وَقْتَ الرَّخَاءْ لَمْ تَسْتَقِرَّ مِنْ هِيَامْ
قَدْ عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَاسْتَصْغَرَتْ=عُيُونُهُمْ سِوَاهُ لَمْ يَخْشَوْنَ ظُلْماً وَاهْتِضِامْ
قَدْ صَارَتْ جِنَانُ الْخُلْدِ فِي مَرْمَى عَيْنِهِمْ عَيَانَا
صَارُوا يَنْظُرُونَ النَّارَ مَنْ فِيهَا يَخْلُدُ مُهَانَا
وَالْقَلْبُ حَزِينٌ مِنْهُمُ وَالشَّرُّ قَدْ صَارَ أَمَانَا
نُحْفٌ مِنُهُمُ الْأَجْسَامُ وَالْحَاجَاتُ لَيْسَتْ جِسَامَا
فَالتَّقْوى خَيْرُ زَادْ ..
إِلَى يَوْمِ الْمَعَادْ ..
وَاصَلَ الْإِمَامُ لِلتُّقَاةِ وِصْفاً=مُسْمِعاً لِقَوْلِهِ هَمَّامَا
أَنْفُسٌ عَفِيفَة صَبَرَتْ قَصِيراً=أَعْقَبَتْهَا رَاحَةٌ أَيَّامَا
تَاجَرُوا مَعَ الله رَبِحُوا وَفَازُوا=يَسَّرَ اللهُ لَهُمْ إِنْعًامَا
مَا أَرَادُوا دُنْيَا وَفَدَوْا نُفُوساً=أَسْلَمُوهَا لِلْعُلا إَسْلاَمَا
فِي اللَّيْلِ صَفُّوا قَدَماً وَرَتَّلُوا الْقُرْآنَ كَيْ=يُحَزِّنُونَ أَنْفُساً يَشْفِيهَا مِنْ كُلِّ سَقَامْ
فِإِنْ تَلَوْا لِآيَةٍ تَشُوقُهُمْ تَطَلَّعَتْ=نُفُوسُهُمْ إِلَى الَّذِي كَاَن إِلَى الْعَيْنِ نِعَامْ
كَذَا وَإِنْ مَرَّتْ بِهِمْ آَيَةُ تَعْذِيبٍ خَشَوْا=جَهَنَّمَ الَّتِي بِهَا يَنْتَقِمُ اللهُ إِنْتِقَامْ
قَدِ انْحَنَتْ أَوْسَاطُهُمْ وَافْتَرَشُوا جِبَاهَهَم=وَيَطْلُبُونَ لِلِإلَهْ فَكَّ الرِّقَاِبِ فِي الْقِيَامْ
أَمَّا فِي النَّهَارِ حُلَمَاءٌ عِلْمٌ بِرٌّ وَتَقْوَى
وَالْخَوْفُ بَرَاهُم كَالْقِدَاحِ بَرْياً مِنْ كُلِّ شَهْوَة
كَالْمَرْضَى أَوِ الْمَجْنُونِ لَكِنَّهُمُ يَعْلُونَ قُوَّة
قَدْ خُولِطُوا أَمْراً عَظِيماً زِيدُوا بِهِ عُلُوّا
فَالتَّقْوى خَيْرُ زَادْ ..
إِلَى يَوْمِ الْمَعَادْ ..
لَيْسَ يُقْنِعَنْهُمْ *عَمَلٌ قَلِيلٌ=لاَ وَلَا مَا اسْتَكْثَرُوا الأَعْمَالا
اتَّهَمُوا نُفُوساً أَشْفَقُوا مِنَ الأَعْ=مَالِ كَيْمَا يَبْلُغُوا الآمَالا
وَإِذَا مَا زُكِّي مِنْهُمُ تَقِيٌّ=خَافَ مَمَّا قِيلَ ثُمَّ قَالاَ
إِنَّنِي بِنَفْسِي عَالِمٌ وَرَبِّي=بِنُفُوسِ النَّاسِ أَعْلَمُ حَالا
فَلاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا يُقَالُ وَاجْعَلْ عَبْدَكَ=مِمَّا يَظُنُّوا أَفْضَلاً واغْفِرْ لِي مَا لاَيَعْلَمونْ
وَمِنْ عَلاَمَةٍ لَهُمْ بِأَنْ تَرَى إِلَيْهُمُ=فِي الِّدينِ قُوَّةً مَعَ الْ حَزْمِ الَّذِي خُولِطَ لِينْ
إِيمَانُهُمْ يَقِيُنُهْم وَالْحِرْصُ فِي عِلْمِهُمُ=وَالْعِلْمُ فِي حِلْمِهُمُ وَالْقَصْدُ فِي اْلغِنَى يَكُونْ
وَفِي الْعِبَادَةِ الْخُشُوعْ فِي فَاقَةٍ تَجُمُّلاً=فِي شِدَّةٍ تَصُبَّرا وَلِلْحَلالِ يَطْلُبُونْ
فِي الْهُدى نَشَاطٌ وَعَنِ الْمَطْمَعِ يُبْدُونَ التَّهَرُّبْ
مِنْ أَعَمَالِهِ الصَّالِحَةِ الْحُسْنَى قَدْ خَافَ وَ أُرْعِبْ
يُمْسِي هَمَّهُ الشُّكْرُ إِلَى لِسَانِهِ الذِّكْرُ يُرَطِّبْ
بَيْنَ الْحِذْرِ وَالْفَرْحَةِ نَشْوَاناً أَضْحَى يَتَقلَّبْ
فَالتَّقْوى خَيْرُ زَادْ ..
إِلَى يَوْمِ الْمَعَادْ ..
إِنَّهُمْ إِذَا مَا اسْتَصْعَبَتْ نُفُوسٌ=لَمْ يُجِيبُوهَا إِلَى مَا تَهْوَى
فِي مَا لاَ يَزُولُ عَيْنُهُمْ تَقِرُّ=وَالزَّهَادَةُ بِمَا لاَ يَبْقَى
حِلْمُهُمْ بِعِلْمٍ قَوْلُهُمْ بِفِعْلٍ=مُزِجَا مَزْجاً بِدُونِ فُرْقَة
أَمَلٌ قَرِيبٌ زِلِلٌ قِلِيلٌ=خاَشِعٌ قَلْبُهُمُ لِلْمَوْلَى
نُفُوسُهُمْ قَانِعَةٌ وَأَكْلُهُم غَيْرُ كَثِيرْ=وَأَمْرُهُم لِيْسَ عَسِيرْ وَدِيُنُهمْ حِصْنٌ حَصِينْ
شَهْوَتُهُمْ مَيِّتِةٌ وَكَاظِمِينَ غَيْظَهَمْ=مَأْمُولَةٌ خَيْرَاتُهُمْ **ٌ وَالْكُلُّ مِنْهُمْ آَمِنِينْ
إِنْ كَانَ فِي غَفْلَتِهِ فِي الذَّاكِرينَ يُكْتَبُ=أَوْ كَاَن فِي ذِكْرِه لَمْ يُكْتَبُ بسْمِ الْغَافِلِينْ
يَعْفُونَ عَمَّن ظَلَمُوا يُعْطُونِ مِنْ قَدْ حُرِمُوا=كَذَاكَ مَنْ صِفَاتِهِم لِلْقَاطِعِينَ وِاصِلِينْ
فُحْشُهُْ بَعِيدٌ قَوْلُهُ لَيِّنُ والْمُنْكَرُ غَائِبْ
حَاضِرِ الْمَعْرُوفَ وَالْخَيْر بِإِقْبَالٍ كَذَاكَ اَلشَّرُّ ذَاهِبْ
لاَ اضْطِرَابٌ فِي الزَّلاَزِلِ وَفِي الْمَكَارِهِ صَبْرُهُ غَالِبْ
فِي الرَّخَاءِ شَاكِراً لأِنْعُمِ الرَّبِّ الَّذِي أَعْطَى الْمَوَاهِبْ
فَالتَّقْوى خَيْرُ زَادْ ..
إِلَى يَوْمِ الْمَعَادْ ..
لاَ يَحِيفُ مِنْهُمْ أَحَدٌ عَلَى مَنْ=أَبْغَضَ وَأَظْهَرَ الشَّنْآنَا
لِيْسَ يَأْثَمَنَّ مِنْهُمُ بِمَنْ قَدْ=وَدَّهُمْ وَحُبَّهُمْ قَدْ دَانَى
اعْتَرَفُوا بِحَقٍّ قَبْلَ أَنْ عَلَيْهِمْ=يَشْهَدَنَّ أَيُّ حَيٍّ كَانَا
لاَ يُضَيِّعُوا مَا اسْتُحْفِظُوا وَ لاَ=يَنْسَوْنَ مَا يُذَكَّرُونَ آَنَا
لاَ يَنْبِزُونَ لَقَباً وَ لاَ يُضِيرُونَ الْجِوَارْ=لاَ يَشْمَتُونَ أَبَداً بِالنَّائِبَاتِ الْمُعْضِلَة
فِي الْبَاطِلِ لاَ يَدْخُلُونْ مِنْ حَقِّ لاَ لاَ يَخْرُجُونْ=وَالصَّمْتُ لَيْسَ غُمَّةً وَالضَّحْكُ لَيْسَ قَهْقَهَة
وَإِنْ بُغِي عَلَيْهُمُ للِّصَّبْرِ هُمْ يَلْتَجِؤُونْ=حَتَّى يَكُونَ اللهُ مَنْ يَنْتِقُمُ لَهُمْ وَلَهْ
نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءْ والنَّاسُ مِنْهُ فِي رَخَاءْ=أَتْعَبَ نَفْسَهُ إِلَى آَخِرَةٍ مُحَتَّمَة
بُعْدُهُ عَنِ الْمُبْتَعِدِ عَنْهُ زُهْدٌ وَنَزَاهَة
يَدْنُو للِّذِي يَدْنُو بِرَحْمَةٍ وَلِينٍ لاَ يُضَاهَى
لاَ كِبْرَ لَدَيْهِ وَ لاَ يَعْلُو كَمَا الدُّخَانِ فِي عَالِي سَمَاهَا
لاَمَكْرَ لَدَيْهِ أَوْ خَدِيعَةٍ بِهَا يَطْلُبُ جَاهَا
فَالتَّقْوى خَيْرُ زَادْ ..
إِلَى يَوْمِ الْمَعَادْ ..
بَعْدَ أَنْ أَتَمَّ قَوْلَهُ الإِمَامَا=صُعِقَ الْهَمَّامُ مِنْهُ صَعْقَة
صَارَ مِنْهَا مَيْتاً وَإِلَى لِقَا اللهْ=غَادَرَت رُوحُهُ تَرْنُو شَوْقَا
كُنْتُ إِي وَرَبِّي خَائِفاً عَلَيْهِ=قَالَهَا إِمَامُنَا فِي حُرْقَة
هَكَذَا الْمَوَاعِظْ تَصْنَعَنَّ بِالنَّاْس=مَا إِذَا كَانُوا بِأَهْلٍ حَقَّا
فَيَا أُخَيَّ لاَتَمِلْ إِلَى حُطَامٍ زَاِئلٍ=لاَ تَرْكَنَنْ لِعَالَمٍ يَفْنَى وَ يَغْدُو كَالْحُطَامْ
وَلْتَبْتَغِ مَطَيَّةَ التَّقْوَى فِإِنَّ الْمُتَّقِي=يَفُوزُ فِي الأُخْرَى وَ يَحْظَى بِرِضَى الرَّبِّ السَّلاَمْ
وَصِيَّتِي إِلَيْكُمُ كَذَا لِنَفْسِي الْجَانِيَة=أَنْ نَتَّقِي اللهَ ولاَ نَعْصِيِه بِالْفِعْلِ الْحَرَامْ
وَلْنَحْفَظَنْ جَوَارِحاً تَشْهَدُ مِنْ دُونِ لِسَانْ=عَلى فِعَالِنَا الَّتِي جِئْنَاهَا فِي يَوْمِ الْقِيَامْ
لِلْخَالِقِ نَدْعُو وَنَسْتَغْفِرُ مِنْ رَبِّ الْبَرِيَّة
أَنْ يُدْخِلَنُا الْجَنَّةَ أَنْ يَرْزَقَنَا الدُّورَ الْعَلِيَّة
أَنْ يَحْفَظَنَا فِي حَشْرِنَا مِنْ حَرِّ نَارٍ مُلْتَظِيَّة
أَنْ يَحْشُرَنَا مَعَ النَّبِيِّ الْحَقِّ وَالزُّمْرَة التَّقِيَّة
فَالتَّقْوى خَيْرُ زَادْ ..
إِلَى يَوْمِ الْمَعَادْ ..
القصيدة موكبية بحرانية ، بمعنى ذات أوزان وألحان متعددة في الفقرة الواحدة كما جرت عليه العادة في مواكب العزاء في البحرين ، وهناك مطلع أو مستهل يكرره المعزون من دون لطم نهاية كل فقرة .
عــــدد الأبـيـات
48
عدد المشاهدات
3045
تاريخ الإضافة
06/09/2010
وقـــت الإضــافــة
8:35 مساءً